المعهد القضائي

المقالات

خطيئة التفسير الخاطئ للدستور

خطيئة التفسير الخاطئ للدستور

القاضي الدكتور فائق زيدان - رئيس مجلس القضاء الاعلى

يشكّل الدستور القاعدة العليا في البناء القانوني للدولة، فهو الذي يحدد شكل النظام السياسي، وينظم العلاقة بين السلطات، ويكفل الحقوق والحريات. لذلك فإن التفسير القضائي للنص الدستوري ليس عملية فنية فحسب، بل هو فعل تأسيسي يؤثر في كيان الدولة بأكمله. ومن هنا تظهر خطيئة التفسير الخاطئ للدستور بوصفها من أخطر صور الانحراف القضائي، لما لها من آثار عميقة تتجاوز حدود النزاع المعروض . خطيئة التفسير الخاطئ لا تعني اختلافا في الرأي أو تنوعا في المدارس التفسيرية، بل تتمثل في الابتعاد عن روح الدستور ومقاصده. أو تحميل النص ما لا يتحمل من معانٍ. بإغفال السياق التاريخي والسياسي الذي نشأ فيه النص. وتغليب اعتبارات ظرفية أو سياسية على المبادئ الدستورية الثابتة. فالتفسير الدستوري ينبغي أن يكون منضبطاً بضوابط علمية ومنهجية، وإلا تحول إلى وسيلة لإعادة صياغة الدستور خارج آلياته الشرعية وفي بعض الحالات، قد يُنظر إلى الاجتهاد الخاطئ في تفسير النص الدستوري خصوصاً إذا وافق مصالح سلطة معينة على أنه انحياز سياسي، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في استقلال القضاء الدستوري ونزاهته . تُعد المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل نظراً لارتباطه المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة. غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي حتى اليوم (وكان أحد القرارات التي سبق وان تناولناها بالبحث والتحليل في أطروحة الدكتوراه وكتابنا المعنون رقابة القضاء الدستوري على الحدود الدستورية بين السلطات 2019 - 2020) . والإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـــ "الكتلة النيابية الأكثر عدداً": أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟ ذهبت المحكمة إلى أن المقصود بـــ "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" يمكن أن يكون الكتلة التي دخلت الانتخابات باسم واحد وحصلت على أكبر عدد من المقاعد أو الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات من قائمتين أو أكثر داخل الجلسة الأولى لمجلس النواب وتصبح هي الأكثر عدداً. هذا التفسير شابه عدد من المثالب الدستورية، من أبرزها مخالفة ظاهر النص حيث أن النص جاء بصيغة واضحة دون الإشارة الى تحالفات لاحقة، ما يفيد –على وفق القراءة الحرفية– أن المقصود هو الكتلة الفائزة فعلياً في الانتخابات كما أن هذا التفسير يمس بإرادة الناخب لإنه يسمح بتشكيل الكتلة الأكبر بعد الانتخابات قد يؤدي إلى تغيير النتيجة السياسية التي عبّر عنها الناخب في صناديق الاقتراع مما يُضعف مبدأ المشروعية الشعبية. ويؤدي ذلك إلى خلق عدم استقرار سياسي بفتح باب التحالفات اللاحقة ويجعل تشكيل الحكومة خاضعاً لمفاوضات معقدة قد تطول لأشهر، كما حدث بعد انتخابات 2010 و 2018 و 2021 و 2025، مما أدى إلى أزمات سياسية متكررة آخرها التي نعيشها هذه الأيام وقد تتكرر في الانتخابات القادمة، حيث تحول مصطلح "الكتلة الأكبر" إلى محور صراع سياسي دائم بسبب تفسير سياسي الأثر أكثر منه قانوني الصياغة ومن ثم عُدَّ اجتهادها توسعاً غير مسوغ في فهم النص الدستوري، وبذلك تكون المحكمة تجاوزت الدور التفسيري إلى الدور الإنشائي إذ لم تكتفِ بتفسير النص بل أنشأت قاعدة دستورية جديدة لم ينص عليها الدستور صراحة وهو ما يُعد توسعاً في السلطة التفسيرية، ويمثل هذا التفسير نموذجاً لإشكالية العلاقة بين النص الدستوري والواقع السياسي. فبينما قد يُسوغ التفسير بمرونة النظام البرلماني، إلا أن نتائجه العملية أظهرت آثاراً سلبية على الاستقرار الدستوري والثقة العامة في العملية الديمقراطية . ومن ثمّ، فإن معالجة هذا الإشكال تستلزم تعديلاً دستورياً صريحاً يحدد المقصود بالكتلة الأكبر بصورة لا تحتمل التأويل تحقيقاً للأمن الدستوري وصوناً لإرادة الناخب بأن يحسم المقصود بالكتلة الأكبر بشكل لا يقبل التأويل باعتماد معيار (القائمة الفائزة انتخابياً). أو يمكن معالجة الإشكالية عبر تعديل قانون مجلس النواب بحيث يُلزم بتسجيل الكتلة الأكبر رسمياً خلال الجلسة الأولى فقط ويمنع تغيير صفة "الكتلة الأكبر" بعد تثبيتها. أو ان تعيد المحكمة الاتحادية العليا النظر في تفسيرها السابق. وتعتمد تفسيراً مقيداً يربط "الكتلة الأكبر" بنتائج الانتخابات لا بالتحالفات اللاحقة المفتوحة .

2026-03-03
الولاية الدستورية للقانون والقضاء

الولاية الدستورية للقانون والقضاء

القاضي الدكتور فائق زيدان - رئيس مجلس القضاء الاعلى

تحرص الدول المتحضرة ذات الأنظمة الديمقراطية على تضمين دساتيرها وقوانينها مبدأ سيادة القانون، باعتبار أن القانون هو السلطة العليا واقعياً في جميع الدول التي تراعي إلتزام مواطنيها بالخضوع للقانون دون تمييز كونه حجر الزاوية في بناء الدولة وتحقيق العدالة. ومثال ذلك، دستور جمهورية العراق لسنة 2005 نص في المادة (5) منه على أن "السيادة للقانون". كذلك نصت المادة (20) من الدستور الالماني لسنة 1949 "تقوم الجمهورية الاتحادية الألمانية على مبادئ الديمقراطية، والسيادة الشعبية، وسيادة القانون" كما ورد في المادة (1) من دستور جنوب افريقيا لسنة 1996" الجمهورية مؤسسة على القيم التالية: (أ) الكرامة الإنسانية، والمساواة، وحقوق الانسان والحريات.(ب) الديمقراطية وسيادة القانون". والدستور المصري لسنة 2014 نص في المادة (94) منه أن "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وتخضع الدولة للقانون". اما دستور دولة الامارات العربية المتحدة لسنة 1971 فقط نص في المادة (25) على "القانون اساس الحكم في الاتحاد. العدل والمساواة هما ركيزتا الحكم. ويخضع الجميع، حكاماً ومحكومين، للقانون". وايضاً الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل (6) منه أن "القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع، أشخاصاً ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له". وفي الدستور الجزائري لسنة 2020 نصت المادة (8) على"الدولة تقوم على مبادئ التنظيم الديمقراطي، العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون". كذلك، ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) في المادة (7) منه "الناس جميعاً سواء أمام القانون". أما القضاء، ولكونه الجهة المختصة بتطبيق القانون، فإن استقلاليته هي الضمانة الوحيدة لتحقيق مبدأ سيادة القانون. وهذه الاستقلالية مستمدة من نصوص الدستور نفسه، حيث نصت المادة (19) من الدستور العراقي على أن "القضاء مستقل، لا سلطان عليه لغير القانون". كما ورد في المادة (184) من الدستور المصري لسنة 2014 أن "السلطة القضائية مستقلة". والنظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية يؤكد في المادة (46) منه أن "القضاء سلطة مستقلة". كذلك الدستور التونسي لسنة 2014 ينص في الفصل (102) على أن "القضاء سلطة مستقلة". مما تقدم، يتضح أن "ولاية القانون" والجهة المختصة بتطبيق القانون، أي "القضاء المستقل"، هي ولاية تستند إلى الدستور والقانون، وليست مجرد رغبة في التمدد والتعدي على السلطتين التشريعية أو التنفيذية في ممارسة اختصاصاتهما المكفولة بموجب الدستور، وعلى وفق مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة (47) من دستور العراق لسنة 2005. لأن ممارسة الاختصاص التشريعي أو التنفيذي بموجب الدستور شيء، وخضوع السلطتين التشريعية والتنفيذية للقانون شيء آخر في حال مخالفته. ولأهمية خضوع الجميع لأحكام القانون كضمانة لتحقيق العدالة والمساواة في المجتمع فأن السلطة القضائية هي الاخرى ايضا محكومة بعلوية وسيادة القانون ولا يمكن لها تجاوزه بدليل مسائلة القضاة في حال ارتكابهم ما يخالف القانون اسوة ببقية المواطنين. أما نظر القضاء في بعض المواضيع ذات الطبيعة السياسية، فإنها هي الأخرى مفروضة بموجب الدستور والقانون. على سبيل المثال، تنص المادة (19) من قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (31) لسنة 2019 على أن يشكل مجلس القضاء الأعلى هيئة قضائية للانتخابات تختص بنظر الطعون بقرارات مجلس المفوضين. وممارسة هذا الاختصاص بطبيعة الحال هي ممارسة قضائية ذات صبغة سياسية، لأن الانتخابات هي عملية سياسية خالصة، لكن الفصل في المنازعات المتعلقة بتلك العملية هو من اختصاص القضاء. كذلك، الفصل في المنازعات الدستورية التي تدخل ضمن اختصاص القضاء الدستوري أيضًا هي منازعات سياسية بطبيعتها. لذا، نرى أن هناك حقيقة واقعية يفرضها الدستور والقانون، وهي أن ولاية القانون والقضاء هي "ولاية" دستورية وقانونية.

2024-09-27
جزاء مخالفة القاعدة الدستورية

جزاء مخالفة القاعدة الدستورية

القاضي الدكتور فائق زيدان - رئيس مجلس القضاء الاعلى

الجزاء هو الأثر المترتب على مخالفة القانون ويفرض من القضاء وقد يكون بصورة الجزاء الجنائي بحق من يخالف القانون الجنائي اما بعقوبة بدنية على جسد الانسان كالإعدام وإما على حريته بسجنه او حبسه وقد تكون العقوبة مالية. اما الصورة الثانية للجزاء فهي الجزاء المدني ا يترتب اثر مخالفة القوانين الاخرى عدا القانون الجنائي حيث يفرض عند التعدي على حق خاص أو أنكاره من دون أن يمس هذا الاعتداء المصلحة العامة أو يخل بالنظام الاجتماعي فتكون نتيجته اصلاح الضرر او أزالته وهو بذلك حق خاص لمن لحقه الضرر. والصورة الثالثة للجزاء . التأديبي الذي يفرض عند مخالفة القانون الذي ينظم الوظيفة العامة مثل عقوبة التوبيخ او الانذار أو الفصل التي تفرض من الرئيس الإداري للمخالف. أما بالنسبة لمخالفة القاعدة الدستورية فإن الجزاء يكون بصورتين الاولى جزاء غير منظم يتمثل في الضغط الشعبي لحماية القواعد الدستورية ذلك أن السلطة التي تخالف الدستور لا تعترف بتلك المخالفة وانما تضع تفسيرات لتصرفها تحاول بها الظهور أمام الراي العام بمظهر عدم ارتكاب ما يخالف الدستور، وفضلا عن هذا الجزاء فإن الصورة الثانية تتمثل في الجزاء المنظم لحماية القاعدة الدستورية بنص الدستور على الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بما يحقق التوازن بينهما إذ تنص دساتير الدول التي تتبنى النظام البرلماني على وسائل متساوية للضغط والرقابة المتبادلة لكل سلطة في مواجهة السلطة الأخرى بحيث لا تسيطر أحداهما على الأخرى وتخل بهذا التوازن ومن أهم الوسائل التي تملكها السلطة التشريعية تجاه السلطة التنفيذية هي الاستجواب وسحب الثقة وهذه الوسيلة نص عليها دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥ ۲۰۰ في المادة (٦١ / ثامنا)، وفي المقابل يعد حل البرلمان أداة التوازن الرئيسة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ويُعد أهم وسيلة للسلطة التنفيذية في مواجهة السلطة التشريعية ويعد سلاحا موازيا ومقابلا لحق البرلمان على الحكومة بإرغامها على الاستقالة او سحب الثقة عنها وقد نص دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥ على اجراءات حل مجلس النواب بموجب المادة (٦٤ / (اولا) منه بطريقين الاول حل ذاتي يختص به مجلس النواب بناء على طلب من ثلث اعضائه والتصويت بموا وافقة الاغلبية المطلقة لعدد اعضائه على هذا الطلب وهذا الاجراء لا يتوقع حصوله عمليا إذ إن معناها أن السلطة التشريعية اوقعت الجزاء (حل البرلمان) على نفسها. أما الطريق الثاني فيتمثل في طلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة افقة الاغلبية المطلقة رئيس الجمهورية يقدم إلى مجلس النواب واشترط النص لنفاذ هذا الطلب موافقة الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب، وحق الحل وفق هذه الشروط سيكون من الصعب اجراءه وبذلك تفقد السلطة التنفيذية وسيلة التأثير في السلطة التشريعية مقابل امتلاك مجلس النواب لوسيلة . من الحكومة مما يخل بالتوازن السياسي والدستوري بين السلطتين ( وقد اشرنا لهذه الإشكالية مفصلا في اطروحة الدكتوراه المقدمة إلى الجامعة الاسلامية في بيروت في سنة ٢٠٢٠). واليوم يشهد الواقع السياسي العراقي مخالفة صريحة لقاعدة دستورية منصوص عليها في المادة (۷۲/ ثانيا/ ب) من الدستور بتحديد مدة استمرار رئيس الجمهورية بممارسة مهماته إلى ما بعد انتهاء انتخابات مجلس النواب الجديد واجتماعه في مدة اقصاها ثلاثون يوما من تاريخ اول انعقاد للمجلس ووجوب انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلالها الا ان ذلك لم يحصل بسبب عدم الاتفاق السياسي بين الاحزاب والقوى السياسية المكونة لمجلس النواب وعلى الرغم من ان المحكمة الاتحادية العليا اجتهدت لإيجاد مخرج لهذه المخالفة الدستورية عندما اجازت استمرار رئيس الجمهورية بممارسة مهماته لحين انتخاب رئيس جديد بموجب القرار الصادر بتاريخ (٢٠٢٢/٢/١٣) بالرقم (١٧ / اتحادية / ۲۰۲۲ ألا ان هذا الاجتهاد وان كان ضرورياً لتلافي حالة خلو المنصب وما يترتب عليه من اجراءات غير متفق عليها سياسيا الا انه لم يكف لمعالجة الاستمرار في مخالفة الدستور إلى أجل غير مسمى بسبب شرط اغلبية الثلثين المنصوص عليه في المادة ( ٧٠ / اولا) من الدستور الخاص بنصاب انعقاد جلسة مجلس النواب المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية وعدم النص على وجود (جزاء دستوري ازاء هذه المخالفة، لذا نرى تعديل النص الدستوري الوارد في المادة (٦٤) (اولا) بان يكون حل مجلس النواب بقرار من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية على أن لا يكون اثناء مدة استجواب رئيس الوزراء وبذلك يتحقق التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بان يكون جزاء مخالفة القاعدة الدستورية بقرار من السلطة التشريعية في حال مخالفتها من السلطة التنفيذية بسحب الثقة عنها، والعكس صحيح يكون الجزاء بقرار من السلطة التنفيذية (رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية مجتمعين) في حال مخالفة القاعدة الدستورية من مجلس النواب عن طريق حل المجلس من دون شرط موافقة مجلس النواب على اجراءات الحل ولضمان عدم تعسف السلطة التنفيذية في ايقاع الجزاء بحل مجلس النواب ولأهمية هذا الاجراء حصرا يكون قرار حل مجلس النواب الصادر من السلطة التنفيذية قابلاً للطعن امام المحكمة الاتحادية العليا.

2024-04-01
مسؤولية القاضي في احترام الدستور والقانون

مسؤولية القاضي في احترام الدستور والقانون

القاضي الدكتور فائق زيدان - رئيس مجلس القضاء الاعلى

القضاة هم الأمناء على حسن تطبيق القانون لضمان حماية الحقوق التي على أساسها يبنى المجتمع وتسود العدالة، لذا ينبغي أن تكون سلوكيات القضاة سواء في عملهم الوظيفي أ أو خارجه على مستوى الأمانة المودعة لديهم، ويرتب القانون على القضاة التزامات كما واجبات الموظفين والمكلفين بالخدمة العامة في مختلف قطاعات الدولة باعتبار أن القاضي أيضاً مكلف بتقديم الخدمة أن المنصب القضائي يفرض وجوده المعنوي، وتمام المسؤولية على شخصية القاضي التزامات تحقق ضماناً لشرف ونزاهة عمل القضاء، ومنها التزامه ببذل العناية الكافية لتجنب الخطأ، وإلا أصبح عرضة للمساءلة التي تعد الأساس الحقيقي للنظام القانوني وإلا ما قيمة القانون إذا لم يكفل مساءلة المخطئ. وفي الدول التي تحترم القانون فإن الجميع يخضعون لحكم القانون سواء من أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية أو السلطة القضائية التي هي أولى من غيرها بالخضوع لحكم القانون باعتبارها المسؤولة عن تطبيقه إلا أن مساءلة القضاة بطبيعة الحال تختلف عن مساءلة أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية بسبب طبيعة عمل القضاة، وما يجب أن يتمتع به القضاة من استقلال وحياد، لذا فإن آلية مساءلة القضاة عن الأخطاء التي يرتكبونها أن لا تؤدي إلى المساس بهذا الاستقلال والحياد، لذا نجد أن القانون يوفر الحصانة للقضاة حيث نصت المادة (٦٤) من قانون التنظيم القضائي رقم ( ١٦٠) لسنة ۱۹۷۹ على عدم جواز توقيف القاضي أو اتخاذ الإجراءات الجزائية ضده في غير حالة ارتكابه جناية مشهودة إلا بعد استحصال إذن رئيس مجلس القضاء الأعلى، غير أن هذه الحصانة ليست مطلقة إذ يمكن مساءلة القضاة عن كل فعل يشكل مخالفة للدستور والقانون وأفعال الإهمال والتقصير التي قد تقع منهم عند مزاولتهم العمل القضائي وقد تصل عقوبة القاضي إلى إنهاء الخدمة بموجب أحكام المادة (٥٨ / ثالثاً) من قانون التنظيم القضائي إذا صدر عليه حكم بات بعقوبة من محكمة مختصة عن فعل لا يأتلف وشرف الوظيفة القضائية، كما بينت المادة ( ٦١ / أولاً) من القانون المذكور أن لجنة شؤون القضاة تقرر إحالة القاضي على المحكمة المختصة إذا وجدت أن الفعل المنسوب إليه يكون جناية أو جنحة، لذا نجد أن القاضي إسوة بغيره من المواطنين يتعرض للمساءلة الجنائية عند ارتكابه أي فعل مجرم بمقتضى قانون العقوبات والقوانين الأخرى على سبيل المثال المادة (٢٣٤) من قانون العقوبات رقم (۱۱۱) لسنة ۱۹٦۹ ، التي تعاقب القاضي بالحبس والغرامة إذا اصدر حكماً ثبت انه غير حق كذلك يخضع القاضي شأنه شأن الموظفين والمكلفين بخدمة عامة لأحكام المادة ( ۱/۲۹) من قانون العقوبات إذا تسبب بحكمه تعطيل حكم نص دستوري أو قانوني نافذ، ويخضع لإحكام المادة (۳۳۰) من القانون المذكور إذا أخل عمداً بواجب من واجبات وظيفته ونرى أن هذه النصوص القانونية وغيرها التي تطبق على القضاة عما يرتكبونه من أفعال مخالفة للدستور والقانون وتطبيقها بشكل جدي يساهم في تعزيز ثقة المواطن بالقضاء لأن المواطن حين يرى معاقبة القاضي لإرتكابه ما يخالف الدستور والقانون سوف تتعزز الثقة بعدالة القضاء، أما إذا كان القاضي في مأمن من عواقب مخالفته الدستور والقانون لمجرد كونه قاضياً فإن ذلك يؤدي إلى انحسار الثقة بالقضاء لأن القائمين عليه غير ملتزمين بحكم الدستور والقانون فكيف يمكن الثقة بتطبيقهم لإحكام الدستور والقانون على الآخرين ؟ ويعد واجب احترام الدستور والقوانين النافذة وتطبيقها بأمانة ونزاهة وحياد هو الذي يستند عليه العمل القضائي، لذا نجد أن المشرع حرص على النص على هذا الالتزام في صيغة اليمين التي يؤديها القاضي قبل ممارسة عمله القضائي بموجب المادة (۳۷ / ثانياً) من قانون التنظيم القضائي رقم ( ١٦٠) لسنة ۱۹۷۹ والمادة (۷) من الأمر رقم (۳۰) لسنة ٢٠٠٥ (قانون المحكمة الاتحادية وهنا أوجه دعوتي بمحبة وحرص إلى زميلاتي وزملائي السادة القضاة إلى أن يضعوا نصب أعينهم بأن العدل اسم من أسماء الله والقضاء قبس من نوره وتحقيق العدل أساس في رسالة الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله بالكتاب والميزان، وبالقضاء تصان الدماء والأعراض والأموال، وان ولاية القضاء من أعلى الولايات قدراً وأعظمها شأناً وأعزها مكاناً وأشرفها ذكراً، لذا يجب على جميع القضاة النأي بأنفسهم عن كل سلوك يخالف الدستور أو القانون.

2020-12-13
الترشيح والتكليف دستورياً

الترشيح والتكليف دستورياً

القاضي الدكتور فائق زيدان - رئيس مجلس القضاء الاعلى

المادة ٧٦ الفقرة (أولاً) من الدستور تضع نص حاكم بعنوان ( يكلف رئيس الجمهورية (مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء التي نرى انها الكتلة الفائزة في الانتخابات وليس التي تتشكل فيما بعد حسب رأي المحكمة الاتحادية الذي لا نتفق معه بخصوص تفسير مفهوم الكتلة النيابية الأكثر عدداً) وكلمة (مرشح) تعني ان جهة ما رشحته والفقرة (اولا) أعلاه حددت الجهة المختصة بالترشيح وهي (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) اما ما ورد في الفقرات (ثالثاً) بالنص على مرشحًا جديدًا) و (خامسا) بالنص على (مرشح اخر) فإنها تعني (تكليف) (مرشح جديد من الكتلة المنصوص عليها في الفقرة (أولاً) اي الكتلة النيابية الأكثر عدداً بمعنى ان (المكلف) من رئيس الجمهورية يجب ان يرشح لـه من كتلة نيابية ومن غير المنطقي قبول فرضية ان يكلف) رئيس الجمهورية (مرشح من قبله بتشكيل مجلس الوزراء لأن هذا يعني ان رئيس الجمهورية هو من يرشح لنفسه شخص معين وبنفس الوقت هو من يكلف هذا المرشح وهذا لا ينسجم مع منطق العقل ولو كان قصد المشرع الدستوري انفراد رئيس الجمهورية بترشيح وتكليف شخص ما بتشكيل مجلس الوزراء بدون الرجوع الى الكتلة النيابية الاكثر عدداً كان ممكن أن ينص علي ذلك بمصطلح او بتعبير آخر غير مصطلح (المرشح اضف الى ذلك ان انفراد رئيس الجمهورية (بالترشيح والتكليف يتناقض مع نظام الحكم في العراق الذي رسمت شكله المادة من الدستور بالنص على أن نظام الحكم جمهوري نيابي برلماني ومن ابجديات هذا النظام ان تتم تسمية (مرشح) منصب رئيس مجلس الوزراء من خلال الكتل او الاحزاب السياسية المكونة للبرلمان بعكس النظام الرئاسي ) الذي ينفرد فيه رئيس الجمهورية بتسمية رئيس مجلس الوزراء . ومن ذلك نستنتج ان تكرار النص على كلمة (يكلف) رئيس الجمهورية وتكرار كلمة (مرشح) في الفقرة (أولاً) و (مرشح جديد في الفقرة ثالثًا) و (مرشح اخر) في الفقرة خامساً من المادة (٧٦) من الدستور كان قصد المشرع الدستوري منه هو ان دور رئيس الجمهورية ينحصر في (التكليف) فقط اما حق (الترشيح) يكون من قبل الكتلة المنصوص عليها في الفقرة (أولاً) من المادة (٧٦) التي ينسحب مفهومها على الفقرات (ثالثاً) و (خامساً) من المادة (٧٦) من الدستور . وحق (الترشيح) لا ينتقل الى رئيس الجمهورية مطلقاً حتى عند اخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة وانقضاء مدة الثلاثون يوما المنصوص عليها في الفقرة (ثانيا) من المادة (٧٦) من الدستور ولا نتفق مع التفسير الوارد في قرار المحكمة الاتحادية العليا بالرقم ٢٩ / اتحادية / ۲۰۲۰ في ١٦ آذار ۲۰۲۰ بخصوص انتقال (الصلاحية الحصرية الى رئيس الجمهورية بتكليف مرشح جديد لأن هذا التفسير غير صحيح كون صلاحية رئيس الجمهورية تنحصر (بالتكليف) فقط دون (الترشيح) للأسباب المتقدم ذكرها سيما وان هذا القرار ولد (ميتاً) لأنه معدوم لصدوره عن محكمة غير مكتملة النصاب وشرط الانعقاد المنصوص عليه في المواد (۳ و ٥) من قانون المحكمة المذكورة رقم ( ۳۰ ) لسنة ٢٠٠٥ بسبب اشتراك احد القضاة المتقاعدين من محكمة التمييز الاتحادية في اصدار هذا القرار بدون وجود سند قانوني يجيز ذلك.

2020-03-18
جاري التحميل...