المعهد القضائي

المقالات

هندسة الأوامر القضائية بالذكاء الاصطناعي من لغة التحقيق إلى العدالة الرقمية

هندسة الأوامر القضائية بالذكاء الاصطناعي من لغة التحقيق إلى العدالة الرقمية

د. ضياء ثابت - خبير اليونسكو للاتصال والمعلومات

في عصر تتغير فيه بنية العدالة تحت ضغط الثورة الرقمية، لم تعد هندسة الأوامر (Prompt Engineering) مجرد تقنية لتحسين أداء نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تحولت-في السياق الجنائي-إلى مبحث قانوني-منهجي يعيد تعريف العلاقة بين الحقيقة والدليل. فالحقيقة لم تعد تُقدَّم بوصفها سردًا لغويًا، بل كواقعة قابلة لإعادة البناء البصري والتحقق المنهجي، ضمن حدود صارمة تحمي العدالة من التزييف والإيهام. من هنا يبرز مفهوم هندسة الأمر القضائي عبر الذكاء الاصطناعي، بوصفه وثيقة ضبط ومعايرة، لا أمرًا إنشائيًا يطلق خيال الآلة. إنه إطار قانوني-تقني يحدد ما يجوز تمثيله ومحاكاته، وما يجب أن يبقى معلقًا أو غير محسوم، ويربط بدقة بين المدخلات القضائية (الإفادات، التقارير، الأدلة، الاعترافات، الطعون) والمخرجات البصرية (التصورات، المحاكاة، النماذج ثلاثية الأبعاد). وبذلك تنتقل العدالة من سلطة البلاغة إلى سلطة المنهج، ومن الكلمات إلى المشاهدات الموثوقة. الذكاء الاصطناعي كـ”خبير” لا كصندوق أسود إدخال المخرجات المولدة آليًا بالذكاء الاصطناعي إلى ساحة القضاء لا يمر عبر الإبهار التقني، بل عبر الموثوقية القانونية. وقد جسّدت التعديلات على القاعدة الفيدرالية الأمريكية (FRE 702) هذا التحول، حين شددت على أن شهادة الخبير-سواء كان إنسانًا أو نظامًا ذكيًا-يجب أن تقوم على بيانات كافية، ومنهجيات موثوقة، وتطبيق دقيق على وقائع القضية. وفي الاتجاه نفسه، تسعى قواعد تنظيم الدليل المولّد آليًا (Machine-Generated Evidence) إلى منع التعامل مع الصور أو النماذج الذكية كحقائق قائمة بذاتها، ما لم يكن منهج إنتاجها قابلًا للمساءلة. وهنا تبرز أهمية "الأمر القضائي" بوصفه قلب العملية الإثباتية، لا مجرد خطوة تقنية. بين الأمر التقليدي والأمر القضائي الأمر التقليدي واسع، وصفي، يترك للآلة حرية ملء الفراغات. أما الأمر القضائي فهو بنيوي مُقيّد، يعامل الواقعة بوصفها سجلًا دلاليًا لا مجال فيه للزينة. وهذا الفرق ليس أسلوبيًا، بل قانونيًا، إذ يوازي التمييز في قانون الأدلة بين الوسيلة الإيضاحية التي تمثل ما هو قائم، والمحاكاة التفسيرية أو التنبؤية التي تنتج معرفة جديدة وتخضع لمعايير أشد صرامة. مهمة الأمر القضائي أن يُبقي المخرجات في إطار التصور الإيضاحي، لا في منزلق "العلم المهتز" أو الحجة المصنّعة. من السؤال المفتوح إلى المنطق القضائي المهيكل مع تطور استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكمات، ظهرت نماذج لأوامر تحاكي منطق القاضي لا منطق الراوي، مستندة إلى بنى تحليلية مثل (IRAC المسألة، القاعدة، التطبيق، النتيجة). وتطورت هندسة الأوامر إلى منظومات متعددة المراحل تشمل: -أوامر سياقية لضبط الإطار القانوني، -أوامر مهمّات لاستخراج الوقائع وتثبيتها، -أوامر استدلال تمنع توليد حقائق جديدة. وهكذا يغدو الأمر القضائي هيكل تفكير منطقي لا جملة توجيهية. المبادئ الثلاثة للمحاكاة القضائية الذكية لكي لا تتحول العدالة المرئية إلى خداع بصري، تقوم هندسة الأوامر القضائية على ثلاث ركائز: 1-مبدأ عدم الافتراض الآلة تميل إلى سدّ الفجوات بأفضل احتمال إحصائي، لكن في القضاء قد يكون هذا الاحتمال أخطر من الكذب. لذا يجب إلزام النموذج الذكي بالتمييز بين ما ثبت بالدليل، وما يُستنبط منطقيًا، وما يبقى غير معلوم. 2-مبدأ التقييد القانوني لا يجوز للمخرجات أن تُنشئ دليلًا جديدًا أو تضيف قصدًا جنائيًا أو تكييفًا قانونيًا. وهنا يتجسد مفهوم الإنسان في الحلقة التوليدية عبر تدقيق بشري ومسؤولية مهنية مستمرة. فالآلة لا تحكم، بل تُظهر ضمن حدود مرسومة. 3-مبدأ تعدد السيناريوهات بدل قصة واحدة مغرية، تُقدَّم عدة سيناريوهات مرتبطة بفرضيات إثباتية مختلفة، تتيح للدفاع والادعاء اختبار الاحتمالات على أرضية واحدة. إنه انتقال من "قصة تُقنع" إلى "مختبر فرضيات”. من الإفادات إلى المشهد القابل للإعادة البيانات القضائية الأولية-إفادات، تقارير، أدلة وكشف دلالة-وإن كانت جزئية ومحدودة لغويًا، لا يكفي جمعها، بل يجب تفكيكها وترميزها: -إفادة المتهم تُفصل فيها الأفعال عن التبريرات. -إفادة الشاهد تُحلل بصريًا وسمعيًا (خط رؤية، مسافة، توقيت). -إفادة المجني عليه تُعالج بحساسية أخلاقية دون استدعاء الألم. -التقارير الطبية تُحوّل إلى متجهات فيزيائية او كيميائية . -الأدلة الجنائية تُصاغ كعلاقات "أداة-فعل-نتيجة”. وكل ذلك يتطلب مستودع بيانات موحدًا بسلسلة حفظ واضحة، لأن المشهد بلا سلسلة حفظ لا قيمة إثباتية له. نموذج لا فيلم… ومحكمة لا مسرح المشهد القضائي الذكي ليس فيلمًا دراميًا، بل نموذجًا تفاعليًا محايدًا، يقوم على: الهندسة المكانية، التسلسل الزمني، شخصيات بلا هوية، حركة قائمة على الأدلة، صوت معلوماتي، إضاءة مطابقة للواقع، وزاوية رؤية قضائية ثابتة. وفي المحكمة يُعرض هذا النموذج بوصفه وسيلة إيضاح قابلة للطعن والفحص، مع نسخ متكافئة للدفاع والادعاء. حين تكون الصورة أخطر من الكلمة العدالة المرئية قد تنقلب إلى عدالة مضللة إن لم تُضبط: -خطر قانوني من محاكاة بلا موثوقية، -خطر نفسي من تأثير الصورة على الاقتناع، -خطر أخلاقي ناتج عن فقدان الصلة المادية بالواقع. والحل يكمن في الشفافية، وتوثيق الأوامر، وإظهار القيود، وتمكين الأطراف من فحص المنهج قبل المشهد. ان الغاية ليست إبهار المحكمة، بل تحرير الحقيقة من عجز اللغة وتقديمها كواقعة قابلة للاختبار. فالأمر القضائي ليس أمرًا للآلة، بل وثيقة عدالة يكتبها العقل القانوني بصرامة المنهج، ويوقعها الضمير المهني. وعندها، لن يكون السؤال: هل المشهد مقنع؟. بل: ما منهجه؟ ما بياناته؟ ما قيوده؟ وأي عدالة يصنعها حين يُعرض؟.

2026-02-05
القانون الأصلح للمتهم وتطبيقاته القضائية

القانون الأصلح للمتهم وتطبيقاته القضائية

القاضي علياء عبد الأمير عباس

إن القانون الأصلح للمتهم يعد ضابطا من ضوابط الشرعية القانونية وضمانة مستقلة من ضمانات الحماية الجنائية لحقوق المتهم إذ يُعد قاعدة قانونية كفلتها المواثيق الدولية والدساتير بالحماية القانونية ونص عليها المشرع بنصوص صريحة وواضحة مبينا شروطها وإحكامها، وبذلك فان القانون الأصلح للمتهم ليس استثناء من قاعدة عدم رجعية القانون العقابي على الماضي وإنما هو قاعدة قانونية لها ما يميزها عن غيرها وهي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان وهي ترتبط بالنصوص الموضوعية ولا علاقة لها بالنصوص الإجرائية. كما انه لا يمس الحقوق الشخصية بل يتحدد نطاقه بالآثار الجنائية وللمدعي المدني مراجعة المحكمة المدنية للمطالبة بالتعويض بالرغم من إن القانون الجديد قد أباح الفعل. ويقصد بالقانون الأصلح للمتهم (هو القانون الذي ينشئ للمتهم مركزا أو وضعا يكون أصلح له من القانون القديم ويتحقق هذا إذا كان القانون يلغي الجريمة أو يلغي العقوبة أو يقرر وجهاً للإعفاء من المسؤولية أو سببا للإباحة دون أن يلغي الجريمة ذاتها أو يخفف عقوبتها). وان دستور العراق لعام 2005 قد نص على هذا القانون في الفقرة العاشرة من المادة 19 منه التي نصت ((لا يسري القانون الجزائي بأثر رجعي إلا أذا كان أصلح للمتهم)) إما فيما يتعلق بموقف قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 فقد اخذ بهذا القانون في الفقرة الثانية من المادة (2) منه التي نصت (( إذا صدر قانون أو أكثر بعد ارتكاب الجريمة وقبل إن يصبح الحكم الصادر فيها نهائيا فيطبق القانون الأصلح للمتهم)) عليه فان قانون العقوبات العراقي قد اخذ بمبدأ رجعية القانون الجنائي الأصلح للمتهم على الماضي غير انه لم يجعل الأخذ به بصورة مطلقة بل قيدها بقيد أساسي وهو إن يكون القانون الأصلح للمتهم قد صدر قبل صيرورة الحكم نهائياً في الجريمة والتي وقعت في ضل القانون القديم ويترتب على ذلك إن القانون الجديد وعلى فرض انه كان الأصلح للمتهم فأنه لا يسري على الماضي ليحكم الجريمة التي حصلت في ظل القانون القديم في حال جاء صدوره بعد الحكم النهائي على المتهم والمراد بالحكم النهائي هو ذلك الحكم الذي اكتسب الدرجة القطعية بان استنفذ كل أوجه الطعون القانونية أو انقضت المواعيد المقررة للطعن فيه. والحكمة من تقييد مبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم على الماضي بالقيد المذكور هو احترام حجية الأمر المقضي به والذي يعتبر من مبادئ القانون الجنائي الأساسية. إما في حالة صدور القانون بعد الحكم النهائي وكان القانون قد جعل من الفعل الذي صدر به ذلك الحكم غير معاقب عليه وهو ما صرح به المشرع بمقتضى الفقرة الثالثة من المادة (2) من قانون العقوبات العراقي فيصبح المحكوم عليه في مركز من لم يصدر عليه حكم جنائي إي تسقط العقوبة المحكوم بها ويوقف تنفيذها، إما إذا خفض القانون الجديد العقوبة المنصوص عليها في القانون السابق وهو ما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (2) من قانون العقوبات العراقي فان تطبيق القانون الأصلح للمتهم في هذه الحالة قد تركه المشرع لتقدير المحكمة المختصة ويكون ذلك بناء على طلب المحكوم عليه أو الادعاء العام . ويستثنى من تطبيق القانون الأصلح للمتهم الجرائم التي ترتكب في ظل القوانين المؤقتة (والقوانين المؤقتة هي التي تسري احكامها في فترة زمنية محددة ويقف العمل بها بانقضاء هذه الفترة دون الحاجة الى اصدار قانون لإلغائها ولا يحول انقضاء فترة سريان هذه القوانين دون ملاحقة من خالفها أو المضي في تنفيذ العقوبات المحكوم بها وفق القانون الجديد) وذلك لغرض عدم استفادة المتهم من انتهاء فترة سريان القانون لكي يتهرب من العقوبة وهو ما نصت عليه المادة (3) من قانون العقوبات العراقي وكذلك يسري القانون الجديد على ما وقع قبل نفاذه من الجرائم المستمرة أو المتتابعة أو الجرائم العادة التي يثابر على ارتكابها في ظله واذا عدل القانون الجديد الاحكام الخاصة بالعود او تعدد الجرائم فانه يسري على كل جريمة يصبح بها المتهم في حالة عود أو تعدد ولو بالنسبة لجرائم وقعت قبل نفاذه وهذا ما نصت عليه المادة (4) من قانون العقوبات العراقي. وإن المشرع عندما يأتي بتشريعات عقابية جديدة لا يصرح بكون تلك التشريعات تعتبر أصلح للمتهم من سابقاتها وإنما العبرة تكمن فيما تنشئهُ تلك التشريعات من مراكز قانونية تغير من المركز القانوني للمتهم وقت ارتكابه للجريمة وما يضيفه له القانون الجديد وان تطبيق القانون الأصلح للمتهم هو من عمل المحكمة ولا دخل للمتهم فيه فليس للمحكمة إن تخيره أو تسأله تحديد ما هو أصلح له ليطبق عليه بل على المحكمة إن تسترشد بضوابط معينة لتحديد القانون الأصلح للمتهم دون الاعتداد برأي المتهم. وتطبيق القانون الأصلح للمتهم يتطلب توافر ثلاثة شروط وهي إن يكون القانون الجديد أصلح للمتهم ويعد القانون أصلح للمتهم إذا أباح الفعل بعد تجريمه أو إذا قرر مانعاً للمسؤولية لم يكن مقرر من قبل أو قرر عذر قانوني أو قرر عقوبة اخف من العقوبة القديمة والشرط الثاني إن يكون القانون قد صدر بعد ارتكاب الجريمة، إما الشرط الثالث إن يكون القانون قد صدر قبل صدور الحكم النهائي في الدعوى إلا إذا كان القانون الجديد الصادر بعد الحكم النهائي يجعل الفعل غير معاقب عليه. (نشرت بالعدد 32 في مجلة المعهد القضائي)

2025-06-30
البناء القضائي للحكم

البناء القضائي للحكم

القاضي المتقاعد عباس حسن العنبكي

الحكم القضائي، هو ثمرة النشاط القضائي للمضاهاة بين مقدمتين المقدمة الصغرى لتي تستخلصها المحكمة من وقائع الدعوى والمقدمة الكبرى التي تستدل عليها المحكمة من القواعد القانونية. ولا تكمن المشقة في مضاهاة المقدمتين، بل تكمن في عملية بناء كل مقدمة من مقدمي الحكم. لذا فان النشاط القضائي يتصل بالواقع والقانون. اذن المطلوب من كل من يحكم بين اثنين ان يعلم ما يقع ثم يحكم بما جب وفي نشاطه الواقعي، يواجه القاضي في النزاع المعروض امامه، وقائع متناثرة لا حصر لها للفظ الواحد يحمل على معان عدة منه الواضح والغامض، الصريح والمجاز، الفصيح والاغتم وفيه المنتج والغريب. - ومن الوقائع مــا كـان صادقا بظاهره ولا يكذب الا بدليل ومنها ما كان خلاف الظاهر ولا يصدق الا بدليل ومن الوقائع ما كان ظاهرها لا يقبل اثبات العكس وعلى القاضي فحص جميع الوقائع وتقييمها واستخلاص المنتج فيها والتماس اقربها للواقع ثم يقوم بتكييف تلك الوقائع اي يسبغ عليها الوصف القانوني، وهو الاسم المجهول لها في القانون لينتهي الى بناء واقعي وفقا للنموذج الذي يتضمنه فرض القاعدة القانونية. - والنشاط القضائي في بناء الواقعة انما هو نشاط محايد ووصفي، أي ليس للقاضي ان يضيف او يناقش وقائع لم يعرضها الخصوم الا المتعلقة بالنظام العام ولا تثبت عنده الا الوقائع التي تثبت بأدلة اثبات معتبرة قانونا وبالشكل الذي فرضه القانون وان وجد في تلك الاجراءات ما يعيق الوصول الى الحقيقة ما دام الاصل أن ليس له أن يحكم بعلمه الشخصي وان كان موقناً به ويواجه القاضي في نشاطه الواقعي خطرين الأول التحليل المزدحم بعناصر عقيمة تشتت انتباهه فـي مــا لاقيمة لــه مــن ناحية الحل القانوني مما يؤدي الى تأخير حسم الدعوى والاخر التركيب الخاطئ لوقائع الدعوى مما يجعل بناء الحكم غامضا ومعيبا اما في ما يتعلق بالنشاط القانوني. - للقاضي وهو السعي في بناء المقدمة الكبرى باستنباطها من ادلتهـا وهـي المصادر التي أوردها المشرع في المادة الأولى من القانون المدني فيما يتعلق بالدعوى المدنية. مع مراعاة الترتيب الوارد في المادة المذكورة مع ملاحظة أن العقد هو المصدر الاول الذي تستدل به المحكمة على الحكم فيما لا يخالف النظام العام وفي نشاطه القانوني يواجه القاضي قواعد قانونية فيها المبتسر والمحدود والغامض والناقص والمتعارض ومنها الخاص والعام السابق واللاحق وعليه أن يمسك بجميع عناصر القاعدة القانونية من فرض وحكم وشرط ومانع وليس له ان يمتنع عن الحكم بحجة فقدان النص والخطر الذي يواجهه القاضي في نشاطه القانوني، أما اغفال عنصر من عناصر القاعدة القانونية او اضافة عنصر لم تتضمنه او تاويلا لا نتحمله بعد ان القاضى إلى صياغة مقدمة المضاهاة بينهما. فاذا انتهى الى التماثل بـين الواقعة المعروضة في النزاع والفرض اي النموذج التشريعي للواقعة، ثم الزامها الحكم الوارد في القاعدة القانونية. والقاضي مقيد بالحكم الذي حدده المشرع وبطلبات الخصوم وقد قيل بحق لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق الا بنوعين من الفهم احدهما فهم الواقع واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والامارات والعلامات حتى يحيط بها علما والنوع الثاني فهم الحق في تلك الوقائع، وهو فهم حكم الله في هذا الواقع ثم يطبق احدهما على الآخر. (نشرت بالعدد 32 من صحيفة المعهد القضائي)

2025-06-30
القاعدة الجزائية على بياض

القاعدة الجزائية على بياض

القاضي عمر سلمان المحمدي

الاصل أن النص الجزائي المُشرع يَحمل في كفتيه التجريم والعقاب معاً، ولكن عملياً المُتصفح للقوانين الجزائية العراقية ومنها قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1996 يَجد بعض نصوصه تَحمل العقاب من دون التجريم. كيفَ يكون ذلك؟معنى القاعدة الجزائية على بياض:- يُقصد بهذه القاعدة ظهور النص الجزائي حاملاً شق العقاب من دون شق التجريم، وتَنحدر هذه التسمية من أن المُشرع يُعاقب على أفعال (على بياض) لم تكن موجودة لحظة وضع قواعد العقاب. مُبرر بياض القاعدة الجزائية:- المشرع لا يمكن ان يتنبئ بجميع احوال وظروف المجتمع ومثاله الظروف الاقتصادية تتغلب كما هو المناخ يتغير كُل يوم، وبهذا تُشرع نصوص عقابية على بياض ويُترك تحديد عناصر الجريمة الى السلطة التنفيذية ويؤطر ذلك في أنظمة وتعليمات كلما استجدت حاجة المُجتمع. السند القانوني لبياض القاعدة الجزائية:- تستند هذه القاعدة الى سلطة التفويض التشريعي المُجازة استثناء للسلطة التنفيذية في ضوء الصورة الحديثة لمبدأ الشرعية الجزائية وفق قيود كما هو وارد في المادة 80/ثالثا من الدستور العراقي النافذ لعام 2005. بياض القاعدة الجزائية في القوانين العراقية:- المُتصفح ثنايا نصوص قانون العقوبات العراقي يجد أن الكثير من نصوصه تُحيل في تجريم الكثير من الأفعال الى قانون أخر ومنها على سبيل المثال المادة (326) التي تُعاقب دخول الموظف أو المكلف بخدمة عامة بسبب وظيفته مَنزِل في غير الأحوال المُصرح فيها قانوناً ولم يبين هذه الحالات مُشيراً بذلك الى قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المُعدل لبيان الدخول المُجرم من المشروع، كذلك ان المُشرع وأن عاقبَ على فعل السب في المادة (434) ألا أنهُ ترك تحديد الفعل المُجرم من هذه الاقوال طبقاً للأعراف السائدة. (نشرت بالعدد 32 من صحيفة المعهد القضائي)

2025-06-30
جاري التحميل...